القرطبي
189
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
والقتل والهوان على الرخصة والمقام بدار الجنان . وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة " الأخدود ( 1 ) " إن شاء الله تعالى . وذكر أبو بكر محمد بن محمد بن الفرج البغدادي قال : حدثنا شريح بن يونس عن إسماعيل بن إبراهيم عن يونس بن عبيد عن الحسن أن عيونا لمسيلمة أخذوا رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فذهبوا بهما إلى مسيلمة ، فقال لأحدهما : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال نعم . قال . : أتشهد أنى رسول الله ؟ قال نعم . فخلى عنه . وقال الآخر : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال نعم . قال : وتشهد أنى رسول الله ؟ قال : أنا أصم لا أسمع ، فقدمه وضرب عنقه . فجاء هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هلكت ! قال : " وما أهلكك " ؟ فذكر الحديث ، قال : " أما صاحبك فأخذ بالثقة ( 2 ) وأما أنت فأخذت بالرخصة على ما أنت عليه الساعة " قال : أشهد أنك رسول الله . قال " أنت على ما أنت عليه " . الرخصة فيمن حلفه سلطان ظالم على نفسه أو على أن يدله على رجل أو مال رجل ، فقال الحسن : إذا خاف عليه وعلى ماله فليحلف ولا يكفر يمينه ، وهو قول قتادة إذا حلف على نفسه أو مال نفسه . وقد تقدم ما للعلماء في هذا . وذكر موسى بن معاوية أن أبا سعيد بن أشرس صاحب مالك استحلفه السلطان بتونس على رجل أراد السلطان قتله أنه ما آواه ، ولا يعلم له موضعا ، قال : فحلف له ابن أشرس ، وابن أشرس يومئذ قد علم موضعه وآواه ، فحلفه بالطلاق ثلاثا ، فحلف له ابن أشرس ، ثم قال لامرأته : اعتزلي فاعتزلته ، ثم ركب ابن أشرس حتى قدم على البهلول بن راشد القيروان ، فأخبره بالخبر ، فقال له البهلول : قال مالك إنك حانث . فقال ابن أشرس : وأنا سمعت مالكا يقول ذلك ، وإنما أردت الرخصة أو كلام هذا معناه ، فقال له البهلول ابن راشد : قال الحسن البصري إنه لا حنث عليك . قال : فرجع ابن أشرس إلى زوجته وأخذ بقول الحسن . وذكر عبد الملك بن حبيب قال : حدثني معبد عن المسيب بن شريك عن أبي شيبة قال : سألت أنس بن مالك عن الرجل يؤخذ بالرجل ، هل ترى أن يحلف ليقيه بيمينه ؟ فقال نعم ، ولإن أحلف سبعين يمينا
--> ( 1 ) راجع ج 19 ص 284 . ( 2 ) عبارة الدر المنثور : ( " أما صاحبك فمضى على إيمانه " .